ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )
627
المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر
شعري من عرف هذه الأخلاق من نفسه وسمع قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « لا يدخل الجنّة من كان في قلبه مثقال حبّة من خردل من كبر كيف يستعظم نفسه ويتكبّر على غيره » وهو بقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من أهل النار . والعالم هو الذي فهم أنّ اللّه ( تعالى ) قال : إنّ لك عندنا قدرا ما لم تر لنفسك قدرا . فائدة : اعلم انّ الكبر يظهر في شمائل الرجل كصعر في وجهه ونظره شزرا وإطراقه رأسه وجلوسه متربّعا ومتّكئا ، وفي أقواله حتّى في صوته ونغمته في الإيراد ، وفي مشيه وتبختره وقيامه وجلوسه وفي حركاته وسكناته ، ومنهم من يجمع ذلك كلّه ، ومنهم يتكبّر في بعض ويتواضع في بعض ، فمنها التكبّر بأن يحبّ قيام الناس له أو بين يديه ، ومنها أن لا يمشي إلّا ومعه غيره يمشي خلفه ، وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في بعض الأوقات يمشي مع الأصحاب فيأمرهم بالتقدّم ويمشي في الغمار إمّا لتعليم غيره وإمّا لينفي عن نفسه وسواس الشيطان بالكبر والعجب ، ومنها أن لا يزور غيره ، ومنها أن يستنكف من جلوس غيره بالقرب منه إلّا أن يجلس بين يديه ، ومنها أن يتوقّى مجالسة المرضى والمعلولين ويتحاشى عنه وهو كبر ، ومنها أن لا يتعاطى بيده شغلا في بيته ، والتواضع خلافه ، ومنها أن لا يأخذ متاعه ويحمله إلى بيته وهو خلاف عادة المتواضعين . قال أبو الدرداء : اعلم أنّ للّه عبادا يقال لهم الأبدال خلفاء من الأنبياء ، هم أوتاد الأرض ، لم يفضلوا الناس لا بكثرة صوم ولا صلاة ولا حسن حلية ، لكنّ الورع وحسن النيّة وسلامة الصدر لجميع المسلمين والنصح لهم ابتغاء مرضاة اللّه ( تعالى ) بصبر لحين وتواضع في غير مذلّة ، وهم قوم اصطفاهم اللّه واستخلصهم لنفسه وهم أربعون صدّيقا . واعلم يا أخي : أنّهم لا يلعبون شيئا ولا يؤذونه ولا يحقّرونه ، علامتهم السخاء وسجيّتهم البشاشة وصفتهم السلامة ، وليسوا اليوم في خشية وغدا في غفلة بل مداومين على حالهم الظاهر ، وهم فيما بينهم وبين ربهم قلوبهم تصعد ارتياحا إلى اللّه واشتياقا إليه ، أولئك حزب اللّه وهم المفلحون . وقال الراوي : فقلت : يا أبا الدرداء ، ما سمعت بصفة أشدّ من هذه الصفة ، وكيف لي أن أبلغها ؟ قال : ما بينك وبين أن تكون في أوسعها إلّا أن تبغض الدنيا ، فإنّك إذا أبغضت الدنيا أقبلت على حبّ الآخرة ، وبقدر حبّك للآخرة تزهد في الدنيا ، وبقدر ذلك تبصر ما ينفعك ، وإذا علم اللّه ( تعالى ) من عبد حسن الظنّ أفرغ عليه السداد